ابن عجيبة
121
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لجبروته ، وخنوعا في أنوار ملكوته ، بقوله : وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، وليس لي اختيار في نبوتي ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ . هل يكون من هذا وصفه ، بعد كونه بصيرا بنور اللّه ، ورأفته به ، كالذي عمى عن رؤية إحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى ؟ أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرا بنور القدم ، ليس كمن ولد من العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله . انتهى كلامه . ثم أمره بالإنذار لمن ينتفع به ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) قلت : الضمير في ( به ) : يعود على ( ما يوحى ) ، وجملة ( ليس ) : حال من ضمير ( يحشروا ) . يقول الحق جل جلاله : وَأَنْذِرْ أي : خوّف بما أوحى إليك ، المؤمنين المقصرين في العمل ؛ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ بالبعث للحساب ، حال كونهم في ذلك الوقت لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ ينصرهم من عذابه ، وَلا شَفِيعٌ يرده عنهم بشفاعته ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : كي يصيروا بإنذارك متقين ، وإنّما خص الإنذار هنا بالذين يخافون ؛ لأنّه تقدم في الكلام ما يقتضى اليأس من إيمان غيرهم ، فكأنه يقول : أنذر الخائفين ؛ لأنه ينفعهم الإنذار ، وأعرض عمن تقدم ذكرهم من الذين لا يسمعون ولا يعقلون ، أو : أنذر من يتوقع البعث والحساب ، أو يتردد فيه مؤمنا أو كافرا . قاله البيضاوي . الإشارة : لا ينفع الوعظ والتذكير إلا من سبق له الخوف من الملك القدير ؛ إذ هو الذي ينهضه الخوف المزعج أو الشوق المقلق ، وأما من سوّدت قلبه الخطايا ، وانطبعت في مرآته صور الأشياء ، فلا ينفع فيه زاجر ولا واعظ ، بل ران على قلبه ما اقترفه من المآثم ، والعياذ بالله . ثم أمره بالدنو ممن ينفعه التذكير ، ونهاه عن ضده ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 52 إلى 53 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )